قصص قصيرة

قصة قصيرة: التاء الشجاعة

حركاتي لعمامرة
حكت لي والدتي الحكايات والأساطير، غير أن حكاية جارتنا فاطمة كانت الاروع على الاطلاق ، منذ ان فتحت عيني ووعيت على الدنيا وانا اعرفها قوية صابرة لاتشتكي من قلة ولاتتذمر من فقر او عوز ، ملامحها تدل على الرجولة ، وحتى ملابسها تشبه الى حد كبير ملابس الرجال،عكس بنتيها اللتان كلهن رقة وعذوبة و جمالا انوثتهن سبقت سيرتهن ، فاطمة ولدت بأعالي جبال الأوراس ذات شتاء قارس ، كان غذاء والدتها ماتجود به أشجار البلوط والصنوبر والسنديان ، او بعض الحشائش وفي احسن الأحوال التلغودة ، كانت امها الأمازيغية اللًسان ، التي لاتتقن كلمة واحدة عربية،
تذوقت فاطمة مرارة الدنيا منذ طفولتها ، لعبها في الغالب من حجارة وطين ،او بقايا علب او قوارير ،لم تعرف للمدرسة طريقا لأن المدارس كانت لأبناء المعمرين ومن دار في فلكهم ، كلما نزلت فاطمة الى قرية مشونش تمتعت بالمناظر الجميلة : غابات النخيل والحشائش الخضراء والمياه الرقراقة ، كانت بين الحين والحين تزور المدينة فعرفت ان هناك شيئا غريبا ،إلى ان جاء اليوم الذي حضر فيه خالها عمار الذي قضى زهرة شبابه في حرب الهند الصينية ( لاندوشين ) ، كان الخال عمار كل ليلة يحكي لها قصة ، وكانت نفسها تهفو لوطنها كلما سمعت بهذه القصص البطولية
إقترح عمار ان تلتحق فاطمة بمستوصف القرية علها تتعلم عملا ينفعها في حياتها، وافقت فاطمة والتحقت لتتعلم التمريض
، فإلتقت بخديجة اقدم ممرضة ، إلا ان خديجة كانت قليلة الكلام كثيرة العمل ، ولم تكن خديجة تحدث احدا ، إلا أنها إستأنست بفاطمة التي اعجبت بها أيما إعجاب ، وتوطدت العلاقة بينهمالتخطبها لإبنها المهاجر محمود ، وافقت فاطمة وتزوجت محمودا فكانت صديقة لخديجة وكنة مطيعة ، عاشت فاطمة في بيت خديجة التي تسكن بيتا طينيا عند سفح الجبل مقابل الوادي ، وذلك المشهد الجميل الذي تمييزه أشجار النخيل وأزهار الدفلى التي تملأ الوادي والحقول ، كانت رائحة البارود وإجتماعات الثوار تملأ اركان هذا البيت المتواضع وقد كانت السلطات الفرنسية تضع حراسة مشددة على هذا البيت المجاهد.
وذات ليلة ظلماء ، هاجمت جيوش المحتل ذلك البيت لتعتقل خديجة ، إلا ان فاطمة ولحسن حظها تسللت بين الصخور لتلتحلق بالثوار الذين كان من بينهم خالها عمار ، الذي رحب بها وخصص لها مكانا في كهف صغير وهي الحامل في شهرها السابع ، اما زوجها فقد كان بفرنسا ، وقد سمع بالحادثة فأسرع بالحضور ، فوقف على آثار البيت المهدم ولم يجدا بدا من الصعود الى اعالي الجبل …
إلتحق محمود بفاطمة التي كانت على اهبة الوضع ، وجاء اليوم الموعود لتضع مولودة كالقمر ، فسمتها حورية تفاؤلا بحرية الجزائر
وكم كانت فرحة محمود بحورية كبيرة ، ولكن كان قلبه يخفق بإسم امه التي توجد بالمعتقل ، إلى جاء ذلك اليوم الحزين الذي حمل نبأ إستشهاد خديجة بالمعتقل ،فعم حزن شديد كل ارجاء القرية ، وكان إسم خديجة من نصيب البنت الثانية وكانت فرحة فاطمة عظيمة ببنتيها وهي الممرضة التي تسهر على رعاية الثوار وتمريضهم ،
ويكون ثالث حمل لفاطمة حاملا لبشائر مولود سمي مسعودا تيمنا بوالد محمود الذي لم يلحق به…
وجاء اليوم الحزين في حياة فاطمة من سنة 1961 حيث كان يوما تاريخيا هاجمت فيه فرنسا هذه الخلية من الثوار بالطائرات والمشاة …وكانت الحصيلة مؤلمة ، إذ إستشهد اكثر من عشرين شهيدا ، من بينهم خالها عمار وزوجها محمود ، فكانت مرارة ذلك اليوم لاتعادلها مرارة ، نزلت فاطمة الى القرية ومنها الى مدينة بسكرة لتلجأ الى صديقتها الفرنسية التي تقطن في الحي الفرنسي والتي تعرفت عليها في المستوصف ، إستقبلتها صديقتها بحفاوة وآوتها معها ، وإستانست بها ، كانت فاطمة تحت الصدمة ، تتجرع مرارة أحزانها ومرت السنوات سريعة لتسمع زغاريد النصر إلا ان فاطمة كان يملأ قلبها حزن عميق وهي التي فقدت كل من تربطها به علاقة عائلية او ثورية…كانت الجزائر تعيش فرحتها اما فاطمة فكانت تتقطع اوصالها ألما …
غادرت صديقتها الفرنسية الجزائر لتتنازل لها عن البيت المتواضع وتودعها في يوم كئيب حزين ، أما خالتي فاطمة فعاشت في ذلك البيت كالغريبة ،ولم تجد من يقدم لها يد المساعدة ، وحتى من يشهد لها على عملها الف لأن الجميع قد إستشهد ومات ، هاهي الٱن تشارف على السابعة والثمانين من عمرها وقد ربت ابناءها على الشرف وحب الوطن رغم جفائه معها ، هي الٱن ام لمعلمة ومحامية ومهندس ولكنها مازالت تسترجع شريط الذكريات الحزين
فاطمة التي عاشت حياة حزينة لم تسعد يوما في حياتها تعيش على امل ان يسعد أبناؤها بنعيم الحرية وللجيل الجديد كله حياة عنوانها حريتي خير لي من كل شيء في حياتي .
حركاتي لعمامرة. بسكرة في 18 اكتوبر 2018

بختي ضيف الله المعتزبالله

شاعر وقاص جزائري. مشرف على عدة مواقع إلكترونية، إخبارية وأدبية.
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأكثر تصويتاً
الأحدث الأقدم
Inline Feedbacks
View all comments
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x