مسار تطوّر الأحداث في القصّة القصيرة

في قصّة ''الجانب اللآخر''للكاتبة هدى حجاجي

 يقلم: النّاقد التّونسي-فتحي الحمزاوي

 

فتحي الحمزاوي

1/قول في العتبة

ورد عنوان القصّة مركّبا نعتيا ”الجانب الآخر” محيلا في وضعه المباشر على المكان الذي تجري فيها الأحداث والذي يجد له صدى في أوّل مجريات الأحداث: ”بجانبي” ”في الجانب الآخر” ولئن كانت الصفة في منطق النّحو تضطلع بوظيفة التّعريف وإزالة الإبهام عن الموصوف فإنّها في هذه القصّة جعلت العنوان مواربا مخاتلا دافعا إلى مزيد من الأسئلة لأنه ارتقى بهذا الغموض من الوضع الدّلالي الأول باعتباره إطارا إلى حامل لدلالة رمزية لا نصل إليها إلاّ عبر اقتناص طبيعة العلاقات بين الفواعل في الأقصوصة وطرائق بناء مفاصلها وأوضاعها السّرديّة والمرور من ذلك إلى استنباط المقاصد القولية من وراء هذا النص/ القصة القصيرة.

2/في بناء الأحداث

وتطوّرها أجدني في سياق تتبّع مسارات تركيب الأحداث متبنّيا رأي الأستاذ الأديب المصري أبو المعاطي أبو النّجا في مقاله الصادر عن كتاب العربي في عددها 31 سنة 1998 بعنوان: القصّة القصيرة والبحث عن خصوصة الذات عندما تعرض إلى أوضاع مؤاحل ترتيب هذا الجنس القصصي حيث ذكر أنها تقوم على ثلاثة لحظات هي: العرض والنّمو والصّراع وإذا سمحت لنفسي أن أتبنى هذا الموقف فإنّي قد لاحظت بروزه في هذا العمل القصصي للكاتبة هدى حجاجي فهو عمل يمثل هذا النسق البنائي تمثيلا واضحا. أ-مرحلة العرض: تتأثث بكيفية توزيع المقاعد على المواضع على طريقة المقابلة والتضادّ حسب جغرافيا القطار. مقعدان في مواجهة مقعدين تعكسن كل ثنائية منهما قرينتها بطريقة المرايا المتعاكسة وهو ما يلغي مسألة العفوية في طريقة صياغة الإطار المكاني وبهذا التشكيل يصبح أداة مميزة ذكية إلى حدّ كبير لصياغة المواضيع على شاكلة الحوار أو لنقل التناظر القائم على أساس التمايز والاختلاف وهو ما سيعكسه الحوار الدّائر بين بطل القصّة وصديقه الذي يقعد مقابلا له أو الحوار الجانبي المتقطع بين ذات البطل وشخصية المرأة المحاذية له. وهكذا تتقاطع عناصر المكان في شكل{ زكزاك}، فتعكس مختلف المواقف ووجهات النظر التي تصدر عن كل شخصية. كأن هذا الشكل الهندسي في مرحلة العرض متمّم لوظائف زوايا النظر التي ترتبط بالشخصيات فهي إمّا موازية، أو معوّضة لها إن لم تقم زوايا النظر بالوظائف الموكولة إليها من جهة الإفصاح عن الموقف. وفي إطار العرض دائما نلاحظ أنّ اختبار الشّخصيات الفاعلة في القصّة جاء منسجما تماما مع طريقة بناء المكان، فقد شاءت الكاتبة أن تختار رجلين وامرأتين، وواضح أنّ هذا الاختلاف في الشخصيات على مستوى الجنس وحتّى على مستوى الموقف تطوير لوضعية تناقظ العناصر المكانية. وظاهرة التناقض ذات الطابع الفنّي هي التي تقوم بالكشف عن التناقض الموقفي من موضوع ما في المجتمع هو ظاهرة نظره الرجل العربي إلى المرأة الذي تجسم في تركيزه على الجانب السّلَعي {الصّدر العاري/ بياض الساق..}. إجمالا أقول إنّ مرحلة العرض تأسّست انطلاقا من اختيار مشهد –وتلك وظيفة القصة القصيرة- ثم التوسّع فيه في مسار تطوّر القصة. ولن تجد في هذا الجنس الأدبي تعددا في المشاهد أو كثرة في الأحداث بقدر ما يميل القصّ إلى ظاهرة التركيز منذ البداية وهو نوع من التكثيف الذي يتّسم باقصاء أيّة زائدة أو عبارة مكرّرة كما يقول صبري حافط في مقاله الموسوم ب”الخصائص اللبنانية للأقصوصة (مجلة فصول-المجلد الثاني العدد 4 1982 ص 27/28) وقد سمّى إدقار ألان باو هذه الخاصية بوحدة الانطباع التي تبدأ منذ مرحلة العرض وتتضح عندما تلفظ الأقصوصة أنفاسها الأخيرة وتؤول إلى النهاية. ب-مرحلة النّموّ: وتتمثل في تهيئة العوامل التي من شأنها أن تولّد الصّراع وهي غير منفصلة تماما عن مرحلة العرض، بل تولد منها وتتّسع، لأن هذا الفصل في الواقع هو مجرد تحكّم في بنية القصة ويبقى فصلا شكليا يُرادُ من ورائه تشريح العمل. فعندما تختار الشخصية / صديق البطل مقعدا بجانب فتاة وتتعمد الجلوس بجوارها بدلا من المقعد الشاغر قرب البطل، وعندما تبرز المرأة الأخرى البدينة، بصدرها البارز وبساقيها اللتين تشعّان بياضا كما تحكي ذلك، الفتحة الأمامية. عندما يحدث ذلك يبدأ نموّ النص. فالكاتبة تختار أن تكون هذه الشذرات القصصيّة في المشهد الواحد تجسّم العناصر القادحة للصراع بين وجهات النظر التي تمثلها الشخصيات. وعموما فإن لحظات النّمو في قصّة ”الجانب الآخر” لحظات وامضة وسريعة لا يكاد يقبض عليها الدّارس لأنّ المجال القصصيّ في القصّة القصيرة لا يتّسع لأكثر من ذلك. وأهمية مرحلة النموّ مثلما ذكرنا هي إيجاد منطق سببي للبناء العضوي الكلي لا في شكل لوحات متجاورة، بل عبر جعل المراحل جميعها متصلة ببعضها البعض عبر شبكة حيوية متينة لا يكتمل محور منها إلاّ ببقية المحاور. ولذلك كانت السّمة المنطقية هي السّمة البارزة في أوضاع الفصل والوصل عبر حلقة النمو. فالقصة تبدو كأنها سلسلة منطقية تبدأ من حافز تجلى في بداية المشهد/ أسباب، وتنتهي في الأخير إلى صراع/ نتيجة يتجلى بوضوح تام في الحوار الأخير بين البطل وصديقه. ج- الصّراع: هو آخر لحظة قصصية في القصّة وإذا كان الصّراع يعني تشكّل قمّة الاختلاف بين الحدث والحدث أو الموقف والموقف أو بين الشخصية والشخصية فإنّه يتجسّم في قصة ”في الجانب الآخر” منذ اختيار البطل النأي بنفسه عن سلوك الشخصيات المتواجدة معه في القطار وعن مواقفها. ولنقل إنّ أوّل مظاهر الاختلاف والتباين هو انطواء البطل على وحدته وانشغاله بقلمه وأوراقه ” وأخرجت ورقة وقلما عقدت بينهما بالحبر الأسود…” وأمّا أجلّ مظاهر الاختلاف فتتّضح من خلال حوار البطل مع المرأة الجالسة بجانبه من ناحية ومع صديقه الذي يجلس قبالته مباشرة:

ج-1 كشف الحوار المتقطّع بين البطل والمرأة ذات الصّدر العاري عن التنافر من الجانبين وقد احتل من القصّ مساحة صغيرة جدّا، ثمّ إن الخطابين -سؤالا وجوابا- بيّنا حجم هذا التنافر.
– من جهة البطل حين تعمّد أن لا يتواصل: ”لا أدري/ لأنّه أمر لا يهمني…”
– من جهة المرأة حين دُعيت إلى الاستماع إلى القصة: ” ومن قال إنّني لا أرغب في هذا الصمت”.

ج-2 أمّا وجه الاختلاف الثاني فهو بين البطل وصديقه بعد انتهاء رحلة القطار. وهو أيضا حوار لم يطل وعبّر بوضوح عن وجهات نظر مختلفة من ظواهر اجتماعية متكرّرة. يؤول بنا تحليل مظاهر الصراع إلى تبيّن موضوعاته وهي في الحقيقة رصد لسلوك اجتماعي في فضاء من الفضائات العمومية وإن كان فضاء متحركا أي القطار. والحياة داخل القطار وتصرّفات الركاب فيه لا تختلف عنها في الحياة اليومية وفي الفضائات السّاكنة، كأنّ القطار وجه من وجوه المشفى أو الإدارة أو الملعب أو الشارع فهو أيضا فضاء يعكس السلوك والمواقف. كما تقودنا مظاهر الصراع إلى تبيّن اختلاف المواقف بين الفئات الاجتماعية من نفس الظواهر. فالبطل المنشغل بكتابة قصة داخل القطار يمثل شريحة المثقفين وهو في عزلته وانشغاله بالكتابة داخل القطار إنّما يعبر عن موقف يتجلى في رفض مراقبة الآخرين المشتركين معه في السّفرة، ورفض استغلال المكان لاستمالة أنثى أو الخوض في موضوع بلا شأن. وأمّا الصديق فيمثل شريحة اخرى من المجتمع لعلّها تمثل نمطا من العامة يحلو لها أن تتبع عورات غيرها وتطمع فيها، ليس أدلّ على ذلك من حركة تلك الشّخصيّة اقتراح سيجارة على البطل واستغلال تلك الحركة للنظر في صدر المرأة العاري. وهكذا تصبح القصة معاينة لظاهرة اجتماعية انطلاقا من مشهد واحد وإدانتها عبر نمط القص القصير. ولما كانت القصّة القصيرة ترتكز على مشهد واحد فإنّها تعمل على تفجير طاقات ذلك المشهد بالتركيز على نقاط التحوّل فيه، وهذا ما تجلّى في قصة ”الجانب الآخر” للكاتبة هدى الحجاجي التي عالجت موضوعها على أساس رأسي لا أفقيّ حسب تعبير فرانك أوكونور، فانطلقت من مشهد القطار لتعالج موضوعا شائعا في هذا الاطار وفي غيره وفي ذلك الزمان أو في غيره. وعلى أساس هذه الاختيارات الفنّبة القصصية حرمت القصة القصيرة المتلقي من ‘نهاية’ لأنّ مقصدها إثارة القضية لا إيجاد الحلّ، وهو ما تجسّد أيضا في قصّة ”الجانب الآخر” لهدى حجاجي التي وضعت المتلقي أمام أوضاعه ودفعته إلى التفكير فيها متعمدة أن لا تقدّم له حلّا.

النّاقد التّونسي : فتحي الحمزاوي

Exit mobile version