قصة قصيرة / الخواء..والاحتواء

لـ:ختي ضيف الله  / الجزائر

                                                                                          

على جانب الطريق المزدوج المؤدي إلى المجهول،  يرعى قطيعا من الأغنام. العشب وافر، والمكان آمن، فلا ذئاب تشتت قطيعه المتجانس، ولا قاطع طريق يزرع خوفا بين الصخور وهي تسند بعضها، كجسم واحد، وتسنده.

يحمل وجبته المكررة في كيس قديم وقنينة ماء من عين جارية، تتدفق من رأس الجبل الأشيب بالضباب وهو يصنع شموخه وكبرياءه.

رغم كل هذا الأمان إلا أنه يخاف على قطيعه كخوفه على نفسه وأمه المريضة، البعيدة عنه. لم تنس زوجها وأولادها الذين ماتوا بمرض الطاعون، تتشبث به كعكاز متين، غيابه كالموت،  رغم  صغر سنه.

قوافل من الشاحنات والسيارات، في الاتجاهين، سائرة بسرعة جنونية..
يطرح على نفسه أسئلة حول هذا التجويف الذي يحتويه، لأنه لم يغادر المكان ميلا واحدا.
– إلى أين تتجه هذه المحركات؟
يرى السماء كقبة، نهايتها  خلف الجبل. الدنيا رائعة عندما يكون هكذا قطرها، شمس واحدة تغيب لتعود، وقمر ألف الانتقاص في كل مرة من عمره، لا يحزن لذلك!

بينما هو يستمتع بأصوات المحركات، الضعيفة والقوية..فجأة سقطت علبة كبيرة في الطريق، في الجانب الأقرب، كانت ملونة، ذات ألوان مختلفة، و بريق لا مثيل له، وشكل غريب، هل هي مربعة، أم مستطيلة، أم مضلعة ؟ !

جلس على حجر، يرقبها و هو مندهش بروعتها، تقلبها الريح على كل جانب..
– أهي خفيفة إلى هذا الحد، يُعبث بها دون مقاومة أو ثبات منها؟ !

لم تهدأ الريح، واصلت عتوها وجبروتها، ولم يوقف هو رياح اهتمامه بها.. تعبت روحه وهو يتبع تقلبها بعينيه  الصغيرتين، الذابلتين.
– ترى ماذا يوجد بداخلها؟ !
يحدث نفسه عند كل وجه جديد من أوجهها المختلفة، كلوحة من لوحات الإغراء والاستهواء.. يبلل شفتيه بشربة ماء من قنينته التي نقص عمرها.العرق يتصبب من جبينه رغم أن الجو كان باردا قليلا،  أما القطيع فكان يرعى في هدوء، لا يبالي بالضجيج من حوله  مستمتعا بالغياب عن هذا العالم المتقلب في سكره !
واصل تتبع خطاها، دون أن يلمسها، يصعب عليه الاقتراب من الطريق. يسميه الرعاع بطريق الموت.. كم حصد من بشر وبهائم !
– ليتك تبقين وحيدة دون خوف يحيط بك، أيتها الجميلة، يا لبريقك الأخّاذ، أكيد أن في داخلك شيئا ثمينا، ربما يمكنني من شراء قطيع آخر، أو بيت مثل بيوت شيخ القبيلة.

ابتعد مسافة كبيرة، لم يلتفت خلفه من شدة انبهاره بتلك الملعونة، المجنونة، الساحرة.

ظل يجري خلفها حتى توارت الشمس بالحجاب. عاد الكلب والحمار يقودان القطيع، عادين إلى البيت تاركين حطب صاحبهم قرب صخرة. سلكوا طريقا رسمته أرجلهم بأفكاره وحيله، كحبل متين لا ينقطع، لا تقدر الأمطار الموسمية أن تمحو أثره !
واصل مسيره خلفها لعلها ترحم ضعفه ولهفته اللامتناهية، ناسيا أو متناسيا الريح التي تقذفها-في كل حين- إلى مكان بعيد. يلتفت إليه العابرون التفاتة شفقة، كمجنون أو سائر في طريق الجنون !

أصابه الجوع والعطش ، أكل ما بقي من طعامه وشرب كل قطرة ماء.
استراح قليلا، وعيناه نحو القمر داعيا ربه أن يعينه على اللحاق بها لعل حاله يتبدل لكنها واصلت تدحرجها بين الشاحنات والسيارات وكأن هذا الطريق لا يعرف الهدوء، يرضى الضجيج كسلام دائم !

أعجبه القمر وهو يبدي جماله، يصنع هالة في السماء .
في لحظة تأمل ابتعدت هي كثيرا، لكنه واصل الجري خلفها وقد أخذ منه التعب كل مأخذ، الحزن يعصر قلبه، لم يستطع المسير وسارت هي إلى المجهول وبريقها يأخذ لباب قلبه والدمع يملأ مقلتيه كطائر جريح مقصوف الجناحين.
– آه، يا لتعاستي، كم أنا متعب، كيف استطعت قطع هذه المسافة؟، كيف أستطيع العودة و كيف أواجه الريح و هي تصفع وجهي، بل تهز جسمي الضعيف كله؟

بدأ مسيرة العودة، يلتفت كل حين لعلها تتبع خطاه وتلبي رغبته وهواه !

سلك ذات المسلك حتى لا يتيه.. أصوات الذئاب في كل ناحية وفي كل ركن، يكاد قلبه يخرج من قفصه خوفا لولا ضوء القمر لمات من بداية الليل، أنسته تلك الملعونة رعب المكان و غفلة الزمان .
– أإلى هذا الحد يكون وجه الليل؟ !
سمع أصوات متعبة، مبحوحة تناديه:
– يا أيها الصغير، هل رأيت علبة جميلة في الطريق؟
– نعم..نعم..لقدر مرت من هنا..
استأنس بوجودهم بعض الوقت، لكنهم تركوه، مهرولين خلفها، سكارى، تائهين، غير مبالين بالذئاب التي مرت بقربهم.

فكر في حيلة تخلصه من الذئاب.. تساءل عن مصير أغنامه وحماره وكلبه..حاول التسلل.. مشى مسافة معتبرة، فجأة وجد نفسه محاطا بقبيلة من الذئاب، عيونها مرعبة..مرعبة.. صاح بأعلى صوته طالبا النجدة.. ما أصعب أن يلقى المرء حتفه بهذه الطريقة..
– أنقذوني..أنقذوني..الذئاب تحاصرني ..الذئاب..الذئاب..
استيقظت أمه من شدة الصياح وأيقظته و ضمته إلى صدرها وأخرجته من كابوسه المزعج.

في الصباح خرج للرعي ممتطيا حماره، يتبعه كلبه وقطيعه. الطريق لا يزال يركبه جنونه، يغرس طرفيه في المجهول..
سقطت علبة كبيرة من شاحنة مسرعة، كانت أروع من الأولى.. شكلها غريب وألوانها أكثر غرابة، لم يعط لها اهتماما لأنه لا يريد تكرار التجربة مرة أخرى..
ولكن ما الذي جاء بالذئاب إلى هذا المكان الآمن؟ ! . غرقت عيناه في الدموع، ولبس قلبه الخوف فآوى إلى صخرته ذات القرار لعلها تحميه من أنيابها المخيفة، لكنها هجمت عليه ككتلة واحدة، تهز الصخرة هزا..
انطوى كالجنين في تجويفه لعل ينال أنسا، ويبعد خوفا..يبكي لأنه لم يستطع أن يحمي قطيعه..
الذئاب..خلقت للافتراس..

فجأة ربّتَتْ أمه على كتفه، ثم ضمته إلى صدرها بقوة، واحتوته احتواء الكون..
علم أن الكابوس لم ينته بعد..

 

Exit mobile version