حفل توقيع

قصة بقلم/ احمد سيد عبدالغفار

حفل توقيع

اليوم هو اليوم المشهود. يوم كتابة تاريخه. يوم ميلاده الجديد.
اليوم اتمّ الثلاثين من عمره ولكنه خرج من منزله ليكتب شهادة ميلاد جديدة. ان اليوم هو حفل توقيع روايته ألأولى . طفله ألأول .
لقد اكتمل الجنين واصبح جاهزا للخروج وهذا هو الوقت المناسب.
ففي هذه الايام يُقام العُرس السنوي.. العُرس الثقافي . ثورة الكتب.
خرج من منزله وهو يرتدي افضل ما عنده ودعوات والديه تتردد في اذنه. يمشي مبتسما .. متفائلا.. يشعر ان الحظ سيحالفه . كل المؤشرات تُشير الى ذلك . إثناء الكثير على كتاباته وعلاقته الطيبة بكثير من المؤلفون واشادة الكثير من ذوى الخبرة على كفائته ونشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي وتفاعلات الكثير من القراء على كتاباته . كل هذا جعله متفائل بنجاح يُرضيه.
وصل الى ذلك المكان المخيف.. ساحة القتال.. الأفضل سوف يُثبت وجوده , مرت ساعات قليلة حتى وجد نفسه محاط بالكثير ممن يحملون روايته ويريدون توقيعه ويلتقطون الصور معه .
كاد قلبه ان يخرج من بين ضلوعه من شدة السعادة . ان ما يحدث قد فاق تخيلاته . لم يصدق ان كل هذا الأزدحام من اجله. من اجل روايته. الأبتسامة لا تُفارق وجهه وشعوره بالنجاح يُسيطر على عقله وقلبه , ومع كل نسخة يوقع عليها تزداد فرحته الى ان خف الزحام قليلاً ولكنه لم يبالي وحمد الله كثيرا وبداخله شعور كبير بالرضا حتى وجد يدا امتدت اليه تطلب توقيعه وعندما سمع الصوت رفع عينيه الى صاحبة ذلك الصوت الرقيق انه يعرفه جيداً. وهنا توقف الزمن . توقفت عقارب الساعة.. توقفت ضربات القلب وتوقفت الالسنة عن الحديث وتوقفت الأذان عن السمع.
إنها هي .. نعم هي.. حبيبته او من كانت حبيبته . نظر اليها وتوقف لسانه ولكن بداخله يُقال الكثير
“ما الذي اتى بكِ الى هنا ؟انتِ اخر انسان اتمنى رؤيته اليوم . ما الذي جاء بكِ؟ انكِ تكرهين الكتب ولم تقرأي يومً”
• كيف حالك؟
• كما ترين بأفضل حال
• جئت لكي اهنئك على نجاحك ولكى اقرأ كتابك
… يبتسم بسخرية فهو يعلم انها تكذب . ثم قال ببرود
• هذا بفضل الله اولا ثم بمجهودي وتشجيع كل من ساندوني وأمنوا بموهبتي.
…. كان يُريد ان يُذكّرها بالماضي يُذكّرها بأخر لقاء بينهما عندما كانوا يجلسون معا ويحدثها عن كتاباته وافكاره وهي لا تبالي بما يقول . تجسد المشهد امام عينه وكأنه يراه.
• حبيبتي ما بكِ ؟ اراكِ شاردة
• الى متى سنظل هكذا؟ متى ستتقدم لخطبتي؟
• حبيبتي انتِ تعلمين جيداً انني افعل ما بوسعي واعمل في …
• عملك هذا سوف يجعلنا نتزوج بعد مائة عام
• انني الأن أكتب روايتي الأولى واشعر انني سأنجح
• تكتب؟؟ وهل الكتابة ستجعلك غنيا؟
• صبرا حبيبتي لقد تعاهدنا ان نكافح سويا
• الى متى؟ لقد تقدم لخطبتي اكثر من احد وكلهم اغنياء الى متى سأرفض الزواج؟ الى متى سأختلق اعذار؟
• ماذا تقصدين؟
• اقصد اننا لابد ان نفترق وليرى كل منا طريقه
• ان طريقنا واحد وقد تعاهدنا على ذلك
• لا. ان طريقك كله كتب واوراق واقلام وهذه الاشياء لن تغير وضعك ولن تجعلك غنيا
• سوف يتغير الوضع قريبا .. فقط كوني بجانبي.
…. مرت السنوات سريعا وقرر ان ينساها وان يكافح من اجل حلمه… من اجل موهبته … من اجل ذاته…. وها هو اليوم يحقق حلمه ولم يخيب الله ظنه به.
اخذ منها الكتاب وفتح اول صفحة فوجد بها علامات لقطرات مالحة هو لم يتذوقها ولكنه يعلم جيدا مذاق الدموع .. نظر الى وجهها فوجده حزينا وعيونها ذابلة .. لقد بكت .. يعلم ذلك جيدا .
دق الحنين على ابواب قلبه ولكنه رفض بشدة ان يفتح الباب لقد اغلقه منذ اخر لقاء واقسم الا يفتحه مجددا.
قام بكتابة بضع كلمات سريعا واغلق الكتاب واعطاه لها وقال بجمود ” اتمنى ان ينال إعجابك”
اخذت الكتاب منه وابتعدت ثم نظرت اليه فوجدته قد عاد الى طبيعته يضحك ويمزح مع القراء… ايقنت انه قد تغير ونسى كل شيء… بينما هو كان يتابعها بعينيه وقلبه يتمزق حزنا واشتياقً.
لكنه قال بصوت غير مسموع ” لا يجب علي ان احزن هذا اليوم”
بينما هي دخلت غرفتها بعد مشاجرتها المعتادة مع زوجها الغليظ وبكت في صمت ثم امسكت الكتاب وفتحته وازداد بكائها بعدما رأت انه قد شطب على كلمة ( ما زلت احبك ) الذى كتبتها له وكتب اسفلها بخط كبير…..( لقد تغير الوضع )

…………….تـــــــمـــــــــــت………………..

Exit mobile version